ابن عربي

7

تفسير ابن عربي

فاتحة الكتاب [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) اسم الشيء ما يعرف به ، فأسماء اللّه تعالى هي الصور النوعية التي تدلّ بخصائصها وهوياتها على صفات اللّه وذاته ، وبوجودها على وجهه ، وبتعينها على وحدته ، إذ هي ظواهره التي بها يعرف . واللّه اسم للذات الإلهية من حيث هي هي على الإطلاق ، لا باعتبار اتصافها بالصفات ، ولا باعتبار لا اتصافها . و الرَّحْمنِ هو المفيض للوجود والكمال على الكل بحسب ما تقتضي الحكمة وتحتمل القوابل على وجه البداية . و الرَّحِيمِ هو المفيض للكمال المعنويّ المخصوص بالنوع الإنساني بحسب النهاية ، ولهذا قيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الآخرة . فمعناه بالصورة الإنسانية الكاملة الجامعة الرحمة العامّة والخاصة ، التي هي مظهر الذات الإلهي والحق الأعظمي مع جميع الصفات أبدأ وأقرأ ، وهي الاسم الأعظم وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أوتيت جوامع الكلم ، وبعثت لأتمم مكارم الأخلاق » ، إذ الكلمات حقائق الموجودات وأعيانها . كما سمي عيسى عليه السلام كلمة من اللّه ، ومكارم الأخلاق كمالاتها وخواصها التي هي مصادر أفعالها جميعها محصورة في الكون الجامع الإنساني . وهاهنا لطيفة وهي أن الأنبياء عليهم السلام وضعوا حروف التهجي بإزاء مراتب الموجودات . وقد وجدت في كلام عيسى عليه الصلاة والسلام وأمير المؤمنين علي عليه السلام وبعض الصحابة ما يشير إلى ذلك . ولهذا قيل : ظهرت الموجودات من باء بسم اللّه إذ هي الحرف الذي يلي الألف الموضوعة بإزاء ذات اللّه . فهي إشارة إلى العقل الأول الذي هو أول ما خلق اللّه المخاطب بقوله تعالى : « ما خلقت خلقا أحب إليّ ولا أكرم عليّ منك ، بك أعطي ، وبك آخذ ، وبك أثيب ، وبك أعاقب . . . » الحديث . والحروف الملفوظة لهذه الكلمة ثمانية عشر ، والمكتوبة تسعة عشر . وإذا انفصلت الكلمات انفصلت الحروف إلى اثنين وعشرين ، فالثمانية عشر إشارة إلى العوالم المعبر عنها بثمانية عشر ألف عام ، إذ الألف هو العدد التام المشتمل على باقي مراتب الأعداد فهو أمّ المراتب الذي لا عدد فوقه ، فعبر بها عن أمّهات العوالم التي هي عالم الجبروت ، وعالم الملكوت ، والعرش ، والكرسي ، والسماوات السبع ، والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة التي ينفصل كل واحد منها إلى جزئياته . والتسعة عشر إشارة إليها مع العالم الإنساني ، فإنه وإن كان داخلا في عالم الحيوان إلا أنه باعتبار شرفه وجامعيته للكل وحصره للوجود عالم آخر له شأن وجنس برأسه له برهان ،